النزاعات الداخلية والاجتماعيةسياسات صنع السلام والتسويةصنع السلام

السعودية والأزمة في السودان: الرابح يحصد كل شيء! 

السعودية والأزمة في السودان: الرابح يحصد كل شيء! 

خلافًا للصورة النمطية السائدة في الميديا العربية والغربية بوقوف المملكة العربية السعودية خلف الجيش السودان وتمويله في حربه الحالية ضد ميليشيات الدعم السريع، تكشف الصورة المدققة للمواقف السعودية من الأزمة السودانية منذ أبريل 2023 أن رهان الرياض يكاد أن ينحصر في دبلوماسية الترقب والانتظار أملًا في تحقيق الاستفادة القصوى من تداعيات هذه الأزمة، والالتزام بسياسة عدم الصدام المباشر مع رؤية الإمارات لتصعيد الحرب في السودان سواء على المستوى الثنائي (بين الرياض وأبو ظبي)، أو داخل آلية الرباعية الدولية المعنية بالسودان حيث تمثل السعودية “الغائب الكبير” عن ديناميات صنع حلول مقترحة للأزمة، لاسيما بعد فشل ما عرف بمنبر جدة في تلبية مخاوف الدولة السودانية وتحجيم تطلعات ميليشيات الدعم السريع (في فترة مبكرة في واقع الأمر عن الوضع الراهن من تمدد الميليشيا وتمترسها خلف دعم إماراتي غير مسبوق)، وممارسة ضغط أكبر، كان في متناول الرياض، على الدعم السريع وقياداته وصولًا لتسوية ملائمة تحفظ للسودان استقراره وسيادته، وتتيح المجال أمام إعادة هيكلة ميليشيات الدعم مؤسساتيًا، تمهيدًا لدمج بعض عناصرها المناسبة في القوات المسلحة السودانية وفق قواعد معروفة دوليًا في إدارة الجيوش النظامية وتفكيك الميليشيات الخارجة على الدولة.

وكشفت قمة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس المريكي دونالد ترامب (19 نوفمبر الجاري) عن اختراق نسبي في هذا الموقف، فقد أحاط الأول –حسب تصريحات ترامب نفسه- الثاني بملف السودان وخطورته، طالبًا منه التدخل “لحل الأزمة” هناك. لكن لم تتضح بعد حدود التدخل الأمريكي وفق الرؤية السعودية، إذ استدرك ترامب تصريحاته بأخرى تؤكد عمل واشنطن مع دول الرباعية (مصر والإمارات والسعودية) على حل الأزمة (في إطارها)، مضيفًا إليها من وصفهم “بالشركاء” الآخرين.

السودان في دبلوماسية الرياض: تحولات هامة

يرى مراقبون دوليون أن الحرب الدائرة راهنًا بين الجيش السوداني وميليشيات الدعم السريع والتي تقترب من دخول عامها الرابع قد تحولت إلى صراع بالوكالة بين السعودية والإمارات، لاسيما بعد زيارة قائد الجيش السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان إلى الرياض في ربيع 2025 “لمناقشة سبل تقوية العلاقات بين السودان والسعودية”، وإطلاق الإمارات بالتزامن معها دعمًا عسكريًا غير محدود، وعبر قنوات متعددة أبرزها غطاء الوجود الإماراتي “الإنساني” في شرقي تشاد، وفي جنوب السودان وإثيوبيا وشرقي ليبيا، وممارسة كافة أدوات قوتها الخشنة في الصراع.  وأرجع هؤلاء سياسات الرياض الحذرة إلى رغبتها في تعميق وجودها الأمني والعسكري في البحر الأحمر عبر صلات متميزة، وبعيدة المدى،  مع دول الحوض (تعد السعودية المستثمر الخارجي الأبرز في عدد من دول الحوض مثل السودان وجيبوتي وإريتريا، وباستثمارات ضخمة في مصر وإثيوبيا، ومقدرات اقتصادية وسياسية وعسكرية هامة في اليمن). ويمثل السودان بؤرة راهنة في هذه الدبلوماسية السعودية الحذرة.

فقد عمدت الرياض، منذ تداعيات أبريل 2023 مباشرة، إلى إخفاء دعمها التام للجيش السوداني في الأزمة الجارية، كما تجاهلت فرض ضغوط سياسية مهمة (كانت في المستطاع وقتها) على ميليشيا الدعم السريع خلال استضافة السعودية، بالتعاون مع الولايات المتحدة، محادثات “منبر جدة”، وآثرت الرياض الظهور بمظهر الحياد “التام”، مما عزز مواقف الميليشيات وأجبر الجيش السودان على عدم الانخراط الجاد في المنبر.

وكما توقع خبراء طرح المسألة السودانية وموقف السعودية منها بجدية تامة في أجندة زيارة ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء السعودي محمد بن سلمان إلى واشنطن (18 نوفمبر الجاري)، وبالفعل أشار المحلل فرانك تالبوت F. Talbotفي Atlantic Council (18 نوفمبر)، بالتزامن مع وصول بن سلمان لواشنطن، إلى وجود الصراع في السودان في أجندة ولي العهد السعودي لاسيما أن هذا الصراع واستمراره يعزز من استدامة الضغوط على السعودية وعدم الاستقرار في الإقليم، الأمر الذي يمثل مخاوف مفهومة للسعودية من اضطراب سلاسل الغذاء والاستثمارات السعودية في أفريقيا وأمن خطوط الملاحة البحرية المارة بميناء بورتسودان. فيما لفت تالبوت إلى مخاوف الرياض من أن الحرب في السودان “تعيد تشكيل أمن البحر الأحمر وأن عدم الاستقرار على الأرض سيتمدد للبيئة البحرية” مما يلحق أضرارًا بمشروعات السعودية السياحية البليوينة في البحر الأحمر حسب تالبوت.

السعودية وآلية الرباعية الدولية: مرحلة جديدة؟

كانت السعودية مكونًا رئيسًا في رباعية السودان التي تكونت بعد سقوط نظام عمر البشير، واستمرت كذلك بعد إعادة تفعيلها بضم مصر واستبعاد المملكة المتحدة، لكن الحضور السعودي في الرباعية بدا باهتًا بعد نهاية “منبر جدة” عمليًا، واستمر كذلك بعد ضم مصر للرباعية بحيث اضطلعت الأخيرة بدور نشط للغاية داخل الرباعية، وإن كان مواقف القاهرة تقترب أكثر من مواقف الرياض عن مواقف أبو ظبي بشكل ملفت. واكتفت الرياض بالاصطفاف خلف المواقف، كما اتضح في نهاية يوليو الماضي عندما أيدت الرياض مواقف مصر وواشنطن بتأجيل الاجتماع الذي كان مقررًا حينذاك بسبب اعتراضات على صياغة إماراتية محددة لبيان الرباعية وقتها كان يتضمن لغة سياسية محددة (وهو ما تكرر بلهجة مخففة نسبيًا في بيان الرباعية في سبتمبر 2025 وأدى إلى فتور موقف مجلس السيادة السوداني تجاه البيان في الأسابيع اللاحقة)، وعادت وقبلت بمثل هذه الصياغة منتصف سبتمبر فيما مثل نجاحًا إماراتيًا في توجيه صياغة البيان رغم تأكيده في المادة الخامسة على ضرورة وقف كل الدعم العسكري الخارجي “لأطراف الصراع”، وأن وقف الدعم العسكري الخارجي أمر أساسي لإنهاء الصراع؛ ما عنى ضمنيًا وقوف الجيش السوداني والدعم السريع على قدم المساواة في نظر بيان الرباعية.

لكن زيارة بن سلمان وتضمنها مناقشات ثنائية مع ترام حول السودان تؤشر إلى تغير ملموس في دور السعودية في الرباعية، التي بدو أنها ستظل الإطار الرئيس للمقاربة الأمريكية- السعودية للسودان في المرحلة المقبلة. فقد أكد الرئيس ترامب تفهمه الوضع في السودان من زاوية جديدة وفق تنوير ولي العهد السعودي له، غير أنه عاد لتأكيد ان العمل سيتم في إطار الرباعية. وبغض النظر عن مدى دقة ما ذكره ترامب (في ضوء تجارب سابقة لترامب في أزمات مثل أوكرانيا وغزة، وكذا تحولات عملية صنع سياسات واشنطن الخارجية)، فإن استدراك ترامب لأهمية العمل في إطار الرباعية يشير إلى وجود مراجعات إماراتية- أمريكية عاجلة، ويتوقع بناء عليه تمسك واشنطن بداية بالعمل وفق بيان الرباعية الأخير (سبتمبر 2025)، ثم ضخ أفكار جديدة لمرحلة ما بعد التوصل لهدنة، ستتضمن غالبًا –في مرحلة لاحقة غير محددة زمنيًا راهنًا- وضع خطط عمل لضمان المصالح الاقتصادية والسياسية للأطراف المعنية في السودان (أطراف الرباعية دون استثناء) مثل إنهاء عملية ترسيم الحدود البحرية بين السودان والسعودية (وربما مع مصر)، وضمان وجود لوجيستي بحري للإمارات في سواحل السودان على البحر الأحمر، وإعادة السودان لمسار الاتفاقات الإبراهيمية، إضافة إلى وضع صيغة لمرحلة انتقالية تلبي مخاوف أطراف الرباعية، وليس بالضرورة وفق بيانها الأخير. 

ترسيم الحدود البحرية السعودية- السودانية: العصا والجزرة

يظل ملف ترسيم الحدود البحرية بين السعودية والسودان مسألة إشكالية منذ عهد الرئيس السوداني المعزول عمر البشير، كما انه ملف يتسم بالتعقيد البالغ لاسيما أن يتشابك مع عمليات مماثلة بين السعودية وبقية دول البحر الأحمر. وعلى سبيل المثال فقد أثار السودان في نهاية العام 2017 “تحفظاته” على اتفاق السعودية ومصر على ترسيم حدودهما البحرية (أبريل 2016)، وأرسلت الخرطوم خطابًا بهذا المضمون إلى الأمم المتحدة اعادت فيه الخرطوم تأكيد “الرفض التام”للاتفاق، وردت القاهرة بدورها بإعلان رفضها للتحفظات السودانية بشأن تضمن الاتفاق حدودًا بحرية على امتداد حلايب وشلاتين في ديسمبر 2017.

وكانت لجنة ترسيم الحدود البحرية السعودية- السودانية قد انعقدت في 20 سبتمبر 2025 وتمت مناقشة تعديلات على النسخة النهائية من الاتفاق “بعد غدخال تعديلات على خريطة السودان عقب توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية والبرية بين السودان ومصر”. وبحلول أكتوبر من العام الجاري انتشرت تقارير في الميديا الأفريقية عن ضغوط مصرية على السودان دفعت الأخير إلى تأجيل “النسخة النهائية من اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين جمهورية السودان والمملكة العربية السعودية” على خلفية استمرار مشاورات الخرطوم مع الجانب المصري، حسب ما وصفتها هذه الميديا “بالمصادر المطلعة على المسألة”، وان التأجيل جاء بعد ضغط مصري مباشر “عقب تسريبات بعمل لجان سودانية سعودية” على الاتفاق. وفصلت التقارير سعي مصر لتوقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع السودان “من أجل تحقيق أكبر مكسب ممكن في ضوء الظروف الراهنة في السودان وحاجة البرهان للدعم المصري في الصراع الدائر مع ميليشيات الدعم السريع.

وفي حالة انخراط واشنطن في الملف السوداني على الفور، وهو الأمر المتوقع، ستكون مسألة ترسيم الحدود البحرية السعودية السودانية ذات أولوية قصوى وربما بالتزامن مع الخطوات الأولى نحو تطبيق هدنة إنسانية، لاسيما ان هذا المسار مستمر منذ سنوات بالفعل.

سيناريوات الدور السعودي

يظل السودان في دائرة الاهتمام السعودي المباشر؛ وتظل اعتبارات “التنافس” مع الإمارات قائمة في هذا الشأن مع تنوع نقاط تمركز السعودية (في جيبوتي واليمن والصومال وإريتريا والسودان) مقابل الوجود الملموس للاستثمارات الإماراتية في قطاع النقل البحري واللوجيستيات في مصر. ويمثل السودان (المستقر) بشكل مباشر الحلقة الحاسمة في هذا “التنافس”، مع صعوبة توقع وجود إماراتي كبير في سواحل السودان حال تسوية الصراع. ويمكن في ضوء تعقد المشهد الحالي توقع سيناريوات الحركة السعودية في أزمة السودان على النحو التالي:

  • تغيير الرياض دبلوماسيتها الحذرة في الشأن السوداني لتبني مقاربة أكثر وضوحًا ودعمًا للجيش السوداني في مواجهته لتمرد ميليشيات الدعم السريع. ويعزز هذا السيناريو عدة مستجدات؛ منها التقارب المهم مع واشنطن في هذا التوقيت، وتوقع أن تبدي الأخيرة تفهمًا عمليًا لمخاوف السعودية (ومصر) من تداعيات عدم الاستقرار في السودان التي تتجاوز بطبيعة الحال مسألة صراع داخلي إلى تهديد باضطراب إقليمي يضرب كل شمال شرق أفريقيا وتمدت آثاره للبحر الأحمر على المدى القريب أو المتوسط، الأمر الذي يمثل هاجسًا مقلقًا للرياض. كما يعزز هذا السيناريو ما أبداه الجيش السوداني من قدرة على تحمل ضغوط ميليشيات الدعم بعد سقوط مدينة الفاشر (26 أكتوبر)، رغم الحشد العسكري والدبلوماسي/ الإقليمي الذي وفرته الإمارات للميليشيات في الأسابيع الأخيرة. وكذلك خطورة التحركات الإماراتية الأخيرة بالنسبة لسياسات الرياض في السودان ودول جواره وتجاوزها الحدود الدنيا في التفاهمات بين السعودية والإمارات.
  • تخندق الرياض في دبلوماسيتها الحذرة والقبول بلعب دور هامشي في الأزمة السودانية ترقبًا لما ستؤول إليه التطورات ميدانيًا بالفعل. ويعزز هذا السيناريو وجود تنسيق سعودي مصري بالفعل داخل الرباعية، أو ما يمكن وصفه بتنسيق العمل بين البلدين بشكل كامل، وهو ما يخفف الضغوط الإعلامية على السعودية في ملف السودان (وادعاءات هيمنة جماعات الإسلام السياسي على قيادة الجيش وقواته كما تروج الإمارات وبعض وسائل الإعلام الإسرائيلية والأمريكية وغيرها).
  • توجه السعودية نحو تنسيق أكبر مع الإمارات ومصر، وعلى خلفية تطورات شراكة الأولى الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وبذل ضغوط كبيرة على الجيش السوداني لوقف عملياته العسكرية ضد ميليشيات الدعم السريع وقبول عملية سياسية عاجلة، لاسيما أن عناصر سياسية من حكومة تأسيس التابعة للميليشيات أشارت أمس لضرورة “توحيد الجيش السوداني”، وهي العملية التي كانت عقبة رئيس أمام منع الوضع من الانفجار قبل أبريل 2023 فيما كان يعرف “بالورشة الأمنية”، والتي رفضت خلالها الميليشيا الآليات المؤسسية التي كان الجيش قد وضعها لضم عناصر الميليشيا في الجيش والمدى الزمني المقترح لتأهيل هذه العناصر المقبولة وفق هذه الآلية. ويبدو أن لهذا السيناريو – ما يسمى توحيد الجيش السوداني بضم عناصر الميليشيات- حظوظًا كبيرة بفضل دعم أمريكي كبير وقبول إماراتي وعدم ممانعة مصرية- سعودية.

كاتب

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى